الأحد , مايو 28 2023
آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / انتفاضة الحجارة.. دروس وعبر!!

انتفاضة الحجارة.. دروس وعبر!!

بقلم: رامز مصطفى

المصدر: مجلة الوحدة الإسلامية – العدد 181

في الذكرى التاسعة والعشرين لانتفاضة الحجارة عام 1987، فإن الشعب الفلسطيني كسائر الشعوب التواقة للحرية والانعتاق من نير محتليها، يُدرك بحسه الوطني العالي أن مسؤولياته تُحتم عليه في كل مرحلة من مراحل نضاله وكفاحه أن يتحرك في مواجهة ومقاومة سياسات وانتهاكات الاحتلال الصهيوني، وهذا ما ترجمه في الميدان خلال كل الثورات والانتفاضات التي خاضها مؤكداً حقه التاريخي على أرضه فلسطين، كاشفاً الوجه القبيح للكيان “الإسرائيلي” الغاصب.
وهذه هي حال الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت في الثامن من كانون الأول عام 1987، والتي استمرت حتى مطلع العام 1992.
إن حلول الذكرى التاسعة والعشرين لانتفاضة الحجارة في الثامن من كانون الأول عام 1987، يستدعي منا التوقف أمامها، لأنها شكلت بنتائجها إحدى أبرز المحطات التي خاض من خلالها الشعب الفلسطيني أشرس معاركه النضالية والكفاحية. وإن كانت الأطول بين كل الانتفاضات الفلسطينية، ولكن لأنّ على نتائجها ترتب الكثير وعلى مختلف الصعد من تحولات، كانت “أوسلو” عام 1993 كأخطر تلك التحولات التي لا زالت تُرخي بثقلها على القضية الفلسطينية وتتهددها في عناوينها الوطنية. وبالتالي فإن خارطة التوازنات في الساحة الفلسطينية قد طرأ عليها أيضاً تحول استراتيجي بعد دخول حركتي حماس والجهاد الإسلامي كفصائل ذات بعد إسلامي على المشهد السياسي الفلسطيني، الذي بقي ولعقود مقتصراً على بعده الوطني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في العام 1965.
في أسباب الانتفاضة
بعد أن غادرت منظمة التحرير الفلسطينية بمختلف فصائلها لبنان في العام 1982، نتيجة الحرب العدوانية التي شنها الكيان “الإسرائيلي”، وتشتت تلك الفصائل وتوزعها على الكثير من الدول العربية القريبة والبعيدة، اعتقد “الإسرائيليون” أنهم وبتوجيههم ضربة عسكرية مؤلمة وموجعة، وتشتت جل قوات الثورة الفلسطينية إلى المنافي البعيدة عن فلسطين، اعتقد هذا الكيان أن القائمة لم تعد تقوم لتلك الفصائل، وبأنه لم يعد لهم حول أو قوة. متناسياً هذا العدو أن لتلك الثورة وفصائلها امتدادات عميقة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديداً في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، حيث ازدادت وتيرة قمعه وسياساته الإجرامية بحق شعبنا هناك، من اعتقالات واغتيالات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، فقد بلغت نسبة الأراضي المصادرة في الضفة والقطاع 53% بذريعة أنها أراضي أما تابعة للدولة أو أراضي الغائبين، ناهيك عن فرض الضرائب، والتضييق على الطلبة الدارسين في الخارج، والعمل بشتى الطرق على طمس الهوية الوطنية وتهميش الشخصية الفلسطينية، وتشديده الحصار على العمل السياسي، وضرب الاقتصاد الفلسطيني وإلحاقه باقتصاده، وفرض إدارات مدنية مرتبطة به مباشرة إلى جانب الحكام العسكريين. ما زاد من الأعباء على كاهل الفلسطينيين، مع تزايد أعداد العاطلين عن العمل، لترتفع نسبة البطالة بشكل غير مسبوق، وفي تعبير عن الحال الفلسطينية، كتب وزير الخارجية السابق “أبا إيبان” عام 1986، أي قبل سنة من الانتفاضة “إنّ الفلسطينيين يعيشون محرومين من حق التصويت أو من حق اختيار من يمثلهم. ليس لديهم أي سلطة على الحكومة التي تتحكم في أوضاعهم المعيشية. إنهم يتعرضون لضغوط وعقوبات ما كان لهم أن يتعرضوا لها لو كانوا يهوداً، إن هذه الحالة لن تستمر دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار”. وقابل تلك السياسات الصهيونية التعسفية على الجانب الآخر تراجع الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية، لتشكل مقررات قمة فاس الثانية أواخر العام 1982، وقمة عمان عام 1987، وتراجع دور الاتحاد السوفيتي آنذاك على الساحة الدولية أمام الدور الأمريكي وحلفائه الأوربيين، ما أثر مباشرة على المؤسسات الدولية ودورها ولاسيما الأمم المتحدة بمجلس الأمن والجمعية العامة، ما أعطى الكيان الصهيوني مساحة أمان وحماية إضافية في منع مساءلته القانونية والأخلاقية عن جرائمه التي يرتكبها بحق الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية.
لتأتي مجموعة من الحوادث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية عوامل تكاملت مع ما سبق. وهذه الحوادث جاءت إما على شكل تحركات ومظاهرات جماهيرية (عام 1987 وحده 454) حالة تصادم ومواجهات مع الاحتلال. أو على شكل اشتباكات وعمليات مسلحة ازدادت وتيرتها بشكل ملحوظ (عام 1987 وحده 834 عملية عسكرية) و(عام 1985 وحده استشهد 35 وجرح 233)، وشكلت عملية الطائرات الشراعية التي نفذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة في 25 تشرين الثاني عام 1987 إضافة نوعية وحافزاً لدى جموع الشعب الفلسطيني في اتخاذه القرار بالتحرك من أجل مواجهة الاحتلال الغاصب وإجراءاته وسياساته القمعية والتعسفية، اعتماداً على نفسه وقدراته، وهو ينتظر الشرارة التي تؤدي لتفجر تلك المواجهة، فجاءت مجزرة دهس مجموعة من العمال الفلسطينيين من مخيم جباليا في 8 كانون الأول 1987، عند مدخل قطاع غزة قرب حاجز بيت حانون من قبل شاحنة عسكرية صهيونية مما أدى إلى استشهاد أربعة منهم وجرح تسعة آخرين، فكانت تلك الحادثة المروعة الشرارة التي أطلقت العنان للانتفاضة الفلسطينية المباشرة ضد الاحتلال. لتندلع أعمال الانتفاضة على وقع تشييع شهداء المجزرة في مخيم جباليا، حيث بدأت الصدامات والمواجهات مع قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية. تلك المواجهات سرعان ما انتقلت نار هشيمها لتعم أراضي الضفة الغربية وباقي المناطق، ليبدأ مشوار الانتفاضة الطويل، مؤرخاً فيها الشعب الفلسطيني لانتفاضته الباسلة اعتباراً من يوم الثامن من كانون الثاني لعام 1987.
في أهداف الانتفاضة
ومع تطور الانتفاضة وتنوع أساليب عملها، وتنظيم صفوفها عبر انخراط كل مكونات الشعب الفلسطيني السياسي والجماهيري والنخبوي، شُكلت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، التي أخذت على عاتقها وضع برامج التحركات بمختلف العناوين، والإعلان عن أهداف الانتفاضة القريبة والبعيدة. الأهداف القريبة (المرحلية) وتمحورت عند مجموعة من المطالب وهي:
1- إخلاء سبيل الأسرى والمعتقلين من السجون والمعتقلات الإسرائيلية.
2- وقف الاعتقال الإداري وسياسة القبضة الحديدية، وإلغاء العمل بقوانين الطوارئ التي تُشرع عمليات الإبعاد والترحيل للنشطاء الفلسطينيين.
3- السماح بلم شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج.
4- وقف فرض الضرائب الباهظة على المواطنين والتجار الفلسطينيين.
5- وقف حل هيئات الحكم المحلي المنتخبة من مجالس بلدية وقروية ولجان مخيمات في الأرض الفلسطينية المحتلة إتاحة المجال أمام تنظيم انتخابات محلية ديموقراطية للمؤسسات في البلاد.
6- سحب الجيش من المدن والمخيمات والقرى وحظر أعمال الاستفزاز التي يقوم بها.
7- تحريم انتهاك وتدنيس المقدسات الدينية وإخلاء الإرهابي شارون من البلدة القديمة بالقدس.
8- إطلاق سراح كافة معتقلي الانتفاضة فورا، وإغلاق معتقلات الفارعة والظاهرية، وأنصار 2 و3.
9- وقف مداهمة وإغلاق المؤسسات التعليمية والنقابية، والامتناع عن التدخل بشؤونها.
أما في الأهداف البعيدة (الاستراتيجية) فعلى الرغم من توافق القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة على مرحلة هذه الأهداف وبشكل متدرج، إلا أنها ابقت على حالة التجاذب والخلاف بين الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية. وجاءت تلك الأهداف على النحو التالي:
1- إقامة دولة فلسطينية مستقلة في أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف على حدود العام 1967، وتمكين شعب فلسطين من تقرير مصيره والحصول على الحرية والاستقلال. فجاءت هذه الانتفاضة لمطالبة الاحتلال الصهيوني بالانسحاب من فلسطين.
2- تفكيك المستعمرات اليهودية في أرض فلسطين المحتلة عام 1967.
3- تمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة لبيوتهم في ديارهم الأصلية دون قيد أو شرط.
4- تقوية الاقتصاد الفلسطيني: تمهيدا للانسلاخ عن الاقتصاد الإسرائيلي القوي الذي يبتلع الاقتصاد الفلسطيني بكافة أجنحته الزراعية والصناعية والتجارية والسياحية والخدمية.
وهذا ما جاء في البيان رقم:(2) الصادر عن القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة في 10 كانون الثاني عام 1988 عن أهداف وشعارات الانتفاضة “إن القيادة الموحدة إذ تؤكد على مواصلة النضال وبكافة أشكاله لرفع رايات منظمة التحرير الفلسطينية حتى تحقيق أهداف شعبنا السامية في العودة وتقرير المصير وبناء دولتنا الفلسطينية المستقلة بقيادة المنظمة لتدعو كافة جماهير شعبنا البواسل إلى النضال من أجل إنجاز شعارات الانتفاضة الأساسية والمباشرة.
في أساليب الانتفاضة
أما الأساليب التي اعتمدتها انتفاضة فقد فرضت الإجراءات القمعية “الإسرائيلية” التي تسببت في وقوع العديد من الجرحى والشهداء بين صفوف أبناء الشعب الفلسطيني المنتفض لاسيما الأطفال منهم، إلى لجوء الانتفاضة في تطوير أساليب مواجهاتها مع الاحتلال وقواته العسكرية والأمنية، والتي تمحورت حول:
1- المقاومة المدنية والكفاح الشعبي اتسمت المقاومة المدنية، بطابعها الغير عنفي إلاّ إذا اقتضت الضرورة رداً على الاحتلال، واتخذت أشكال من أهمها:
– تنظيم المظاهرات الشعبية في المدن والبلدات والمخيمات على مدار سنوات الانتفاضة. وتحديداً خلال تشييع الشهداء، أو إنقاذ الجرحى وفي المناسبات الوطنية
– الإضرابات الشاملة التي تعم كل النواحي الحياتية، باستثناء الخدمات المتصلة بالصحة والاستشفاء. وبالتالي الإضرابات الجزئية، والتي تشمل قطاعات محدودة
– رفض الأوامر العسكرية، والتوقف عن دفع الضرائب ودفع الرسوم المالية بأنواعها. والطلب من العاملين العرب في أجهزة الإدارة المدنية ” الإسرائيلية “، ومن المخاتير الاستقالة من مناصبهم، في خطوة تعبير عن العصيان المدني أقدم سكان بيت ساحور على تسليم هوياتهم للحاكم العسكري في إطار رفضهم لدفع الضرائب.
– فضح عملاء الاحتلال وتعريتهم أمام الجمهور الفلسطيني. وتم إعدام بعض هؤلاء العملاء.
– قذف الآليات العسكرية بالحجارة والزجاجات الحارقة وإشعال الإطارات ووضعها في الشوارع، ورمي المسامير والزيوت المعدنية ووضع الحواجز الحجرية والزجاجية والحديدية في الشوارع المؤدية إلى المستوطنات، والشوارع التي تستخدمها قوات الاحتلال وإحراق دوريات عسكرية وحافلات وسيارات المستوطنين.
– توزيع منشورات تشرح كيفية إعداد واستخدام القنابل الزجاجية الحارقة وكرات اللهب المشتعلة وكرات الرصاص والزجاج والمقاليع.
– رفع الأعلام الفلسطينية على المدارس والمساجد والكنائس، وفوق أعمدة الهاتف والكهرباء وأسطح المنازل.
– كتابة الشعارات الوطنية والإسلامية على جدران البيوت والأماكن العامة التي تدعو للمقاومة والتصدي لقوات الاحتلال.
– دعوة المواطنين إلى رفض الدعوات التي تطالبهم الحضور من أجل مقابلة ضباط الحكم العسكري والإدارة المدنية، أو مقابلة ضباط المخابرات الصهاينة للتحقيق معهم كما كان يحدث قبل الانتفاضة.
2- مقاطعة البضائع دعت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الشعب الفلسطيني إلى:
– مقاطعة البضائع والمنتجات “الإسرائيلية”، ومنع توزيعها في الأسواق الفلسطينية
– تخريب المنشآت الاقتصادية “الإسرائيلية” من مصانع وشركات ومؤسسات
– تدمير شبكات المياه والكهرباء العائدة سواء لوزارات حكومة الكيان أو المستوطنين أو الشركات الخاصة.
3- العمليات العسكرية خلال الانتفاضة اعتمدت الفصائل الفلسطينية أشكال العمل العسكري المسلح:
– عملية ديمونا عام 1988 • محاولات لاختطاف جنود صهاينة لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين
– ملاحقة وقتل العملاء وإحراق منازلهم • ملاحقة سماسرة الأراضي أفراداً كانوا أم شركات
– اعتماد عمليات الطعن بالسكاكين على الجنود أو المستوطنين.
4- ابتكرت الانتفاضة في فعالياتها مجموعة من الوسائل التي تساعد في بث الدعاية والتعبئة الجماهيرية لجموع الشعب الفلسطيني، وحثهم على الانخراط الأوسع في أعمال الانتفاضة والمقاومة. ومن تلك الوسائل:
إصدار البيانات والنداءات وهي الموقعة من قبل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، أو من قبل حركتي حماس والجهاد، وهي تتقاطع عند توجيه الدعوة إلى الاضرابات، حيث كانت تلقى استجابة من قبل فئات الشعب الفلسطيني. النداءات في المساجد مثلت المساجد إحدى الوسائل الفعالة والمهمة في توجيه الدعوات من أجل تنفيذ فعاليات الانتفاضة. حيث ميكروفونات المساجد لعبت دوراً مؤثراً كإذاعات وطنية تبث نداءات سياسية وجماهيرية في عموم المخيمات والبلدات الفلسطينية من أجل المشاركة في التظاهرات والمواجهات. وإذاعة ما تصدره قيادة الانتفاضة. الكتابة على الجدران انتعشت خلال الانتفاضة الكتابات والشعارات الجدرانية التي ملأت جدران الشوارع والمباني والدارس والجوامع والكنائس والمؤسسات والمصانع … الخ. وهي مساحات واسعة وجدت فيها الانتفاضة ورجالاتها وأبطالها فرصة لإطلاق الشعارات الحماسية الثورية والوطنية وحتى الإسلامية، من مثل (لتستمر الانتفاضة… تحية لأطفال الحجارة… نموت واقفين ولن نركع… أعلناها سوية، إسلام ومسيحية ) اللقاءات المنظمة عمدت قيادة الانتفاضة إلى تنظيم اللقاءات والمحاضرات والندوات والمهرجانات، خصوصاً في مجالس عزاء الشهداء والجامعات ومقار النقابات، بهدف حث الجماهير على مواصلة الانتفاضة وتعميمها الإعلام الجماهيري فقد اعتمدت الانتفاضة في قلة الوسائل الإعلامية، اللجوء إلى الإعلام الجماهيري المباشر، حيث تم الاعتماد على إذاعة قرارات وبيانات الانتفاضة بميكروفونات محمولة على سيارات. مع الاعتماد على وكالات أنباء محلية وعالمية لفضح ممارسات الكيان وقواته وأجهزته الأمنية ومستوطنيه، حيث لعبت الصور الملتقطة لجنود الاحتلال وهم يكسرون عظام عدد من الفتيان الفلسطينيين، وكذلك قتل الطفل محمد الدرة المحتمي بوالده، دوراً هاماً في كسب التعاطف والتضامن من الانتفاضة ومطالبها العادلة والمحقة.
الردود الصهيونية
أولى ردود الفعل من الجانب “الإسرائيلي” على أعمال الانتفاضة جاءت على لسان الإرهابي “إسحق رابين” خلال كلمة له أمام “الكنيست”، قائلاً: “سنفرض القانون والنظام في الأراضي المحتلة، حتى ولو كان يجب المعاناة لفعل ذلك”. وأضاف قائلاً “سنكسر أيديهم وأرجلهم لو توجب ذلك”.
وصلت الانتفاضة إلى أعلى مستوى لها في شباط 1988عندما نشر مصور “إسرائيلي” صور جنود يكسرون أذرع فلسطينيين عزل باستخدام الحجارة في نابلس عملاً بما هدد به رابين. ودارت تلك الصور حول العالم مما أثار مشاعر التعاطف مع الفلسطينيين. أما “إسرائيل” فقد قامت بسياسة لتهميش منظمة التحرير والإيقاع بين حركة حماس والفصائل الأخرى. أقحم “رابين” حرس الحدود بهدف قمع الانتفاضة لما عُرف عنهم عنفهم وقسوتهم، بعد أن عجزت قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية في إخماد جذوة الانتفاضة. إلاّ أن اللوائين ألـ 20 وألـ 21 من حرس الحدود لم يغير تدخله أي شيء في مجريات الانتفاضة واتساعها وشموليتها، الأمر الذي دفع حكومة “رابين” إلى زج وحدتين المستعربين يتقن أفرادها التحدث باللغة العربية، ومهمتها التسلل إلى داخل الانتفاضة وأفراد المقاومة. وفي خطوات إضافية أقدم الكيان “الإسرائيلي” على تطبيق سلسلة إجراءات رادعة وعقابية بهدف إعادة الإمساك مرة جديدة من قبل الإدارة المدنية، والحد من توسع العصيان المدني، ومنها:
1- قررت قوات الاحتلال تمديد ساعات منع التجوال (العام الأول للانتفاضة شهد 1600 حالة حظر للتجوال، فقط منها 180 فقط خلال خمسة أيام).
2- إغلاق الجمعيات والجامعات والمدارس الفلسطينية بشكل متعمد (900 مدرسة فلسطينية و9 جامعات كان يدرس فيها 300 ألف طالب).
3- منع القادمين من الأردن من إدخال مبالغ مالية تفوق مائتي دينار أردني، في خطوة للحد من الدعم الخارجي للانتفاضة بعد أن كان يسمح بإدخال ألفي دينار.
4- اشترط لتجديد رخص التصدير القيام بدفع الضرائب.
5- تشديد الحصار على عدد من المناطق المأهولة بالفلسطينيين، ما أثرّ على تحركهم أو تصدير ما ينتجونه. وما زاد الأوضاع سوءاً، عندما منعت الأردن من استيراد عدد من بضائع الضفة.
6- قطع التيار الكهربائي وإمدادات بالماء وخطوط الهاتف الانتفاضة والفلسطينيين في مناطق العام 48 هي الأصالة المتمسكة بالهوية الوطنية الفلسطينية الكاسرة للرهان الذي عمل عليه الصهاينة وقادتهم منذ اغتصابهم لأرضنا الفلسطينية عام 1948، في دمج وصهر من تبقى من أهلنا هناك في مجتمع المستوطنين المستجلبين من كل أصقاع العالم، حيث لم يُدرك هؤلاء المراهنين أن رهانهم خاسر في تحييد أهلنا ونخبه وقواه عما يتعرض له شقيقهم في الضفة والقطاع من قمع وتعسف وإجرام يفوق التخيل. فما أن بدأت الانتفاضة واندلعت حتى بادر الفلسطينيون في مناطق فلسطين العام 48 للإعلان صراحة أنهم جزء أصيل في هذه الانتفاضة، فخرجوا في تظاهرات وإضرابات تضامنية، وجمعوا المساعدات على اختلافها من غذائية وطبية ومالية. وتولى الفلسطينيين المشاركين في “الكنيست” تنظيم الحملات للدفاع عن الأسرى، بل لجأت قيادة الانتفاضة إلى مطابع في مدينة الناصرة والبلدات القريبة من أجل المساعدة في طباعة البيانات، بعدما شدد الاحتلال قبضته على المطابع في الضفة الغربية. لقد أثارت الانتفاضة الروح الوطنية لدى الجمهور الفلسطيني في مناطق ألـ 48، وجعلتهم أكثر التصاقاً مع قضايا أهلهم المنتفضين، وهم وفي خطوة برهنت عن ارتباطهم بقضيتهم الفلسطينية أقدم نائبان فلسطينيان إلى الانسحاب من حزبين “إسرائيليين”، ولجأ الفلسطينيين إلى معاقبة الأحزاب “الإسرائيلية” في الانتخابات، كرد على جرائم وسياسات حكومة الكيان “الإسرائيلي” ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع. خسائر الانتفاضة من المؤكد أن لا شيء من دون ثمن، هكذا هي طبيعة الأشياء، فكيف إذا صراعاً محتدماً مع عدوٍ يملك من شراسة القتل والإرهاب ما يفوق التقدير أن لا سقف لديه لشهية الإجرام وارتكاب المجازر.
لقد قدرت الخسائر الفلسطينية خلال الانتفاضة التي امتدت من أواخر عام 1987 وحتى مطلع العام 1992 بـ:
– 1.162 شهيد، بينهم حوالي 241 طفلاً.
– نحو ما يقرب من 90 ألف جريح، يعاني نحو 40% منهم من إعاقات دائمة، 65% يعانون من شلل دماغي أو نصفي أو علوي أو شلل في أحد الأطراف بما في ذلك بتر أو قطع لأطراف هامة
– نحو ما يقرب على ألـ 60.000 آلاف معتقل من عموم المناطق الفلسطينية.
– تدمير 1.228 منزلاً.
– اقتلاع 140 ألف شجرة من المزارع الفلسطينية الخسائر “الإسرائيلية” وجه المقارنة بين ما تكبده الفلسطينيون من خسائر في مقابل الخسائر “الإسرائيلية” خلال انتفاضة الحجارة، لا يستند إلى أية موضوعية. ومن الطبيعي في ظل أن لا ميزان للقوى بين الجانبين موجود أصلاً، وهو بيد الجانب “الإسرائيلي” فقط، من دون إغفال أو إسقاط أن الإرادة الفلسطينية المستندة إلى حقنا التاريخي الذي لا تراجع عنه، هي السلاح الأمضى الذي كان يمتلكه الفلسطينيون خلال الانتفاضة، التي استطاعت أن تلحق بالعدو خسائر بشرية بلغت 160 قتيلاً، واقتصادية بلغت في العام الأول فقط مليار دولار، إلى هزيمته أخلاقياً بعد عرته وفضحت جرائمه ونالت من سمعته وهيبته وادعاءاته المزيفة على أنه الواحة الوحيدة في المنطقة التي تتحلى بالديمقراطية والمحافظة على حقوق الإنسان. وهذا ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار حمل الرقم (605)، شجب فيه السياسات والممارسات التي تنتهك من حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ومطالباً ” إسرائيل ” التي تمثل السلطة القائمة بالاحتلال أن تتقيد فوراً بـ(اتفاقية جنيف) المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب.
وكان الكيان في أضعف حالاته في مواجهة الانتفاضة، وهذا ما عبر عنه المؤرخ زئيف شيف في كتابه (انتفاضة): “إن الفلسطينيين فاجأوا إسرائيل بفتحهم جبهة جديدة ضدها، عنف مدني شعبي ولم يكن الجيش الإسرائيلي على استعداد لذلك، فلم تكن لديه التجهيزات الملائمة لمواجهة هذه الجبهة، وقد انكشفت إسرائيل بضعفها بغتة في الخارج ولسكانها على حد سواء. وكانت المفاجأة في شمول الانتفاضة لجميع فئات السكان شباباً وشيباً، نساء وأولاداً ورجالاً قرويين، ومدنيين، متدينين، وعلمانيين، وهذه المفاجأة كانت أعنف من مفاجأتها بحرب يوم الغفران (حرب أكتوبر العام 1973)، فإسرائيل لم تستطع ملاحظة ما يجري داخل بيتها، وفي غرفة نومها”.
نتائج الانتفاضة مع تسارع الأحداث في المنطقة وتحديداً احتلال الكويت عام 1990 من قبل نظام صدام حسين في العراق، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة جورج بوش الأب بتشكيل تحالف دولي إقليمي من أجل تحرير الكويت عام 1991، وبالتالي انهيار الاتحاد السوفيتي من نفس عام 1991، قد أرخى بظلاله على الانتفاضة وفعالياتها التي بدأت تتراجع بالتزامن مع ارتفاع التوجه نحو عقد مؤتمر لـ” السلام” في مدريد تشارك فيه كل أطراف الصراع، وبرعاية أمريكية روسية. وتدحرج التطورات المتعلقة بذلك وصولاُ إلى اتفاقات “أوسلو” عام 1993، الذي وقعته منظمة التحرير مع الكيان “الإسرائيلي”، متنازلة عن 78%، وباعتراف مُذل بالكيان “الإسرائيلي” مقابل سلطة بائسة، ثَبُتَ بعد ما يزيد على ألـ 20 عاماً من عمر “أوسلو” أنها لم تحقق شيء للشعب الفلسطيني، بل المزيد من تبديد للحقوق والعناوين الوطنية. وبذلك وجهت الطعنة إلى ظهر الانتفاضة وتضحيات أبنائها وشعبها المناضل والمقاوم والمضحي، الذي لو قدّر أن يكون لديه قيادة تتمتع بأفق سياسي مُحصن بمناعة وطنية كافية لكانت هذه الانتفاضة قد حققت الشيء الكثير من الحقوق والعناوين الوطنية ومن الأهداف التي انطلقت لأجلها الانتفاضة المباركة في الثامن كانون الأول.

شاهد أيضاً

خدعة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وسذاجتنا

بقلم: الشيخ الدكتور حسان عبدالله المصدر: مجلة الوحدة الإسلامية – 180 نحن العرب نحب الكلمات …